عناوين الأحداث:
جاري التحميل…
دراسة تحليلية

دراسة تحليلية: هل لا تزال شبكات التواصل، اجتماعية؟ لماذا ينشر ترامب تحديثات الحرب على منصته Truth Social؟ ما أثر توظيف العناصر الرمزية، ونظرية وضع الأجندة في المحتوى الرقمي؟

مع نهاية الأسبوع في أمريكا (الأحد) شاهد ملايين المتابعين فيديو جديد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشيال”، يحكي قصة تطورات الحملة العسكرية في إيران. ثواني قليلة لكنها حملت اتصالاً موجهاً ومباشراً جعلت من الفيديو نافذة حصرية على المشهد العسكري بعد مقتل المرشد العام في إيران، وبعيداً عن التفاصيل السياسية، لماذا تم استخدام الفيديو ولماذا في منصة اجتماعية يملكها ترامب؟ ولماذا لم يقدم التحديث عبر مؤتمر صحفي.

كيف تحول الفيديو إلى رسالة حملته العسكرية

قد تختلف التحليلات إلا أنه بلا شك لم يكن مجرد محتوى عابر، فالموضوع هام واللحظة منتظرة بعد تصعيد الأهداف بشكل لم يتوقعه المواطن الأمريكي، بل ترجمة بصرية لما تريد واشنطن ولمن؟، اختصرت الثواني رموز صغيرة تعبر عن النظرة الشاملة على العمليات العسكرية الأمريكية المستمرة في الشرق الأوسط.

يُظهر الفيديو الرئيس الأمريكي بملابس تخلو تماماً من اللون الأحمر الذي يشير إلى الجمهوريين، وبربطة عنق زرقاء في إشارة إلى كون الحدث لا يتعلق بفئة معينة بل بالأمريكيين ككل، وبجانبه بدا بارزاً العلم الأمريكي بشعار E Pluribus Unum” وهي عبارة لاتينية تعني “واحد من الكثرة” وترمز إلى وحدة الولايات الأمريكية. وحمل خطابه إشارات عن قصف دقيق ضد مواقع صواريخ إيرانية، واستخدام طائرات B-1 والقوات البحرية الأمريكية، فيما غابت التأكيدات الواضحة على المسؤول عن قتل قيادات النظام الإيراني، باعتبار أنها قد تضطر إلى الترتيب مع شخصيات تنتمي للنظام نفسه إذا تعذر تغيير الحكم، الأمر الثاني هو التأكيد على  تحوّل مسار وأهداف الحملة من مرحلة استهداف الشخصيات إلى مرحلة أكثر شمولية في التنفيذ الميداني، وبالتالي توجيه الرأي العام إلى أهداف أخرى وأجندة أخرى.

حقائق مذهلة من قلب القتال

الرقص على الأصابع، والتحولات كانت ولا تزال سمة العمليات التي تقودها أمريكا،  ففي فبراير 2026، وبعد أشهر من التخطيط، أعلنت الولايات المتحدة بداية “العمليات القتالية الكبرى” في إطار حملة عسكرية أطلقت عليها اسم “السلام من خلال القوة”. استهدفت هذه الحملة القضاء على قدرات إيران النووية والصاروخية وكذلك شبكاتها الوكيلة. ما يثير الدهشة هو السرعة التي تحولت بها خطط العمليات السابقة مثل “عملية المطرقة منتصف الليل” من ضرب مواقع نووية في فوردو ونطنز إلى سلسلة غارات بحرية وجوية معقدة اتضح لاحقاً بأن هدفها هو تقليل التهديد الإيراني، دون استخدام قوات برية مباشرة.

الرسائل الرمزية وتأثيرها على الرأي العام

الفيديو الذي أطلقه ترامب لا يقتصر على نقل مختصر لمجريات القتال فحسب، بل يحمل رموزاً منها الإشارة إلى الغارات الجوية المشتركة واستعراض للقوة البحرية بقيادة حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln في الشرق الأوسط، في لفتة يريد منها أن يعكس وجود دعم مشترك من الحلفاء الإقليميين. بالرغم من الشكوك الكبيرة في حماس الشركاء الأوروبيين والإقليميين لأي تحرك أمريكي إذا ما استثنينا إسرائيل.  على أ ي حال هذه تبدو الاستراتيجية التي يُراد منها أن تؤثر في الرأي العام الأمريكي والعالمي، وتعيد صياغة فكرة الحملة العسكرية بالاعتماد على التفسير الإعلامي لأجندة الرئيسية من وجهة نظر ترمب.

تفاصيل التقنية وراء الحملة العسكرية

وعلى رغم غياب المعلومات الرسمية حول استراتيجيات الاتصال أو ميزانيات العلاقات العامة التي تدعم الحملة، فإن الترتيبات التقنية والعسكرية واضحة في الفيديوهات والصور التي صَدرت عن البنتاغون. استخدام الطائرات B-1 والقوة البحرية التي أشار إليها الرئيس، ربما تريد الإدارة الأمريكية أن تقول بأنها قادرة على الحفاظ على المعادلة المعقدة (رفع قوة التدمير الفعالة + تقليل المخاطر البشرية + خفض القلق القومي من مخاطر إيران).

لماذا حساب الرئيس في Truth ؟

تأسست منصة Truth Social كبديل لمنصات التواصل الاجتماعي التقليدية، بهدف توفير مساحة حرة للتعبير عن الآراء السياسية والاجتماعية كما يرى دونالد ترامب، باعتبارها أُنشئت كردة فعل على القيود التي فرضتها المنصات الكبرى على حسابات جمهورية تنتمي لجماعة (MAGA)، وعلى رأسها حساب الرئيس دونالد ترمب قبيل حملته الانتخابية التي خسرها لصالح الرئيس الأمريكي الديموقراطي  السابق جو بايدن. ومنذ ذلك الحين تبناها ترامب كمنصة رئيسية للتواصل مع جمهوره. تطورت المنصة بسرعة لتصبح أداة رئيسية في الحملات الإعلامية السياسية، حيث وفّرت بيئة تتيح للمستخدمين التعبير عن آرائهم دون قيود. ويعتبر الجمهوريون  Truth Social جزءًا من حركة أوسع تهدف إلى إنشاء منصات تواصل اجتماعي بديلة تتحدى الهيمنة الديموقراطية على الإعلام التقليدي والسوشال ميديا.

الدوافع السياسية والإعلامية لترمب

استخدم ترمب Truth Social كأداة لتعزيز رسائله السياسية، خاصة في حملاته الإعلامية ضد إيران. بهدف توجيه الرأي العام وتشكيل صورة معينة عن السياسات الإيرانية وما يقوم به حالياً، مستفيدًا من قاعدة جماهيرية واسعة تدعمه على المنصة. ما يعكس فهمًا عميقًا لكيفية استغلال المجتمع الرقمي في التأثير على النقاشات السياسية بالإضافة إلى أنها أصبحت جزءًا من استراتيجية واضحة لترمب للضغط على شبكات الإعلام المعروفة بتحيزها للديموقراطيين أو تصيدها لترمب، وبالتالي استفاد من توفر  خيار واسع لتجاوز الوسائل الإعلامية التقليدية والوصول المباشر إلى الجمهور، علماً بأن الفيديو لقى تغطية واسعة ودون تحريف أو انتقادات كبيرة من كثير من الشبكات التي لا تعتبر متعاطفة مع ترمب مثل شبكة الـ CNN، الأمر أكثر وضوحاً مع الشبكات الاجتماعية الأخرى التي بدأت منذ ولاية ترمب الحالية في تموضع جديد مابين محايد، و مفيد للإدارة الحالية.

نظريات الإعلام السياسي

تبدو الحملات السياسية على Truth Social تعتمد على نظريات تأثير الإعلام  والتي تعمل على توجيه الخطاب وتشكيل الرأي العام. وتعتبر منصات التواصل الاجتماعي أدوات فعالة في هذا السياق، حيث يمكن استخدامها لنشر الرسائل بسرعة وفعالية، وتحكم كبير. ومع تطور نظريات الدعاية وتشكل الرأي العام  أو ما يعرف باستراتيجيات التأثير الإعلامي على الجمهور وتوجيه سلوكهم الانتخابي والسياسي. إلا أنها تستند بشكل مبدأي على نظرية الأجندة الإعلامية في التأثير، حيث تشير إلى قوة الإعلام في تحديد القضايا التي يجب أن تكون في مقدمة النقاش العام.

تأثير الإعلام الرقمي

نظريات التأثير الإعلامي بلا شك ازدادت قوة مع الإعلام الرقمي وقدرته على التأثير في تشكيل الرأي العام، حيث يمكن للرسائل الانتشار بسرعة والوصول إلى جمهور واسع. وهو ما يعزز من قدرة السياسيين على توجيه الحملات الإعلامية بشكل أكثر دقة وفعالية. ويمكن للإعلام الرقمي أن يخلق بيئات تفاعلية تتيح للمستخدمين المشاركة في النقاشات وتبادل الآراء. وبلا شك فإن منصة مثل Truth Social توفر للإدارة الجمهورية اليوم إمكانية تحليل البيانات لفهم تفضيلات الجمهور وتوجيه الرسائل بشكل أكثر دقة، مما يزيد من فعالية الحملات الإعلامية بشكل يفوق الاعتماد على الوسائل التقليدية.

أنواع الرسائل السياسية

تضمنت الحملة الإعلامية لترمب عبر Truth Social مجموعة متنوعة من الرسائل السياسية التي تهدف إلى تسليط الضوء على التهديدات الإيرانية. استخدمت هذه الرسائل لغة قوية ومؤثرة لجذب انتباه الجمهور وتحفيز التفاعل. تضمنت الرسائل أيضًا تأكيدات مرجعية  للقيم الوطنية والأمن القومي لتعزيز التأثير، كما أن استخدام الرموز الوطنية كان له دور كبير في تعزيز الرسائل وخلق ارتباط عاطفي مع الجمهور.

التكتيكات الإعلامية الرقمية

اعتمدت الحملة على تكتيكات إعلامية رقمية مثل استخدام الوسوم والشعارات الحية والمؤثرة، بالإضافة إلى نشر الرسائل السياسية في وقت كان الجمهور يبحث عن تفسيرات رسمية. هذه التكتيكات ساهمت في زيادة التفاعل والانتشار على المنصة. استخدام الوسوم كان له دور كبير في تنظيم المحتوى وتسهيل الوصول إليه من قبل المستخدمين. وساهم في تحسين التفاعل على المنصة، باستخدام تقنيات التحليل البياني لفهم استجابة الجمهور وتعديل الرسائل بناءً على ردود الفعل.

مقاييس التفاعل والانتشار العالمي

أظهرت البيانات المتاحة أن الحملة الإعلامية حظيت بتفاعل واسع على مستوى عالمي، حيث سجلت 2 مليون مستخدم نشط على المنصة. هذا التفاعل يعكس مدى تأثير الحملة على الرأي العام. تحليل البيانات أظهر أن الرسائل وصلت إلى جمهور متنوع، مما يعزز من فعالية الحملة. وتعتبر مقاييس التفاعل مثل عدد المشاركات والاعجابات مؤشرات هامة على نجاح الحملة في الوصول إلى الجمهور المستهدف.

ردود الفعل والمؤشرات

تفاوتت ردود الفعل الدولية على الحملة، حيث أبدى البعض دعمهم للرسائل بينما انتقد آخرون استخدامها كأداة للتضليل. هذه الردود تعكس تعقيد المشهد الإعلامي والسياسي في العصر الرقمي. تحليل ردود الفعل يمكن أن يوفر رؤى قيمة حول كيفية تحسين الرسائل في المستقبل، وتجنب الأخطاء في الحملات المستقبلية.

أرقام

  • بلغ عدد المستخدمين النشطين على Truth Social حوالي 2 مليون في عام 2026، مما يعكس نموًا كبيرًا في قاعدة المستخدمين.
  • أفاد 66% من المستخدمين بأنهم يميلون للحزب الجمهوري في عام 2022، مما يشير إلى تأثير المنصة في تعزيز الانتماءات السياسية.
  • سجلت المنصة 6.3 مليون مستخدم نشط شهريًا في أوائل 2025، مما يعكس زيادة في النشاط والتفاعل.
  • بلغ عدد المستخدمين النشطين يوميًا 359,000 مستخدم في مايو 2025، مما يدل على تفاعل مستمر مع المحتوى.
  • أفاد 31% من الناخبين الجمهوريين بأنهم سيستخدمون Truth Social بشكل متكرر في مارس 2022، مما يعكس ولاء المستخدمين للمنصة.
  • نشر 64% من الحسابات البارزة محتوى حول الأسلحة وحقوق السلاح في يونيو 2022، مما يبرز تنوع المحتوى المتاح على المنصة.

الأصوات المعارضة والنقد الموجه

واجه استخدام Truth Social انتقادات تتعلق بالموثوقية والدقة الإعلامية، حيث أشار البعض إلى أن المنصة قد تكون مصدرًا للمعلومات المضللة والتحيز. هذه الانتقادات تسلط الضوء على الحاجة إلى تعزيز الشفافية والمصداقية في المحتوى المنشور، وتشكك في مدى استقلالية المنصة وتعددية الطرح. وتتضمن المخاطر المرتبطة باستخدام المنصة التعميم والتحيز، مما قد يؤثر على مصداقية الرسائل السياسية التي يجب أن تكون موثوقة عند إطلاقها من منصات تقليدية. هذه المخاطر يديرها بلا شك محترفون يرتكزون على استراتيجيات فعالة لإدارة السمعة وإدارة الأزمات وتعزيز الثقة للتقليل من أثرها.

المكاسب الإعلامية رغم الانتقادات

على الرغم من الانتقادات، احتفظت منصة ت Truth Social بتأثير كبير خاصة لدى شريحة الجمهور الأولى (الجمهوريين) ولا شك في أنها تلعب من خلال الحسابات المؤثرة فيها دورًا مهمًا في تعزيز الرسائل السياسية، مما يدعم فعاليتها كمنصة للتواصل السياسي. هذا الدعم يعكس قدرة المنصة على توفير بيئة تتيح للمستخدمين مناقشة متعددة الجوانب للأجندة المطروحة وأهمها في هذا الوقت الحملة العسكرية على النظام الإيراني.

أهمية الفهم العميق المنصات لم تعد اجتماعية!

على أي حال فإن الأحداث الكبرى مهمة لأنها تفتح الأبواب المغلقة على تطبيقات وتكتيكات تقوم بها الشركات والحكومات والمنظمات في مجال الاتصال المؤسسي، العلاقات العامة، والاتصال التسويق وهو ما يقدم دلائل على التحولات البطيئة لكن جوهرية في نفس الوقت في استخدامات منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في المقبل من الأيام، وكيف يمكن توظيفها في التخطيط الاستراتيجي للحملات الإعلامية وغير الإعلامية. لكنها أيضاً تطرح أسئلة معقدة حول مدى الاستعداد والقدرة على تطوير استراتيجيات إدارة السمعة والأزمات، وكسب الرأي العام في زمن المنصات الرقمية الاجتماعية والذكية ذات الطابع الاحتكاري خاصةً و أن الشواهد تشير إلى أن الاستقطابات الاجتماعية والذكاء الرقمي سيستمر في التطور، فاتحاً الفرص الأكبر للحملات العابرة للقارات، واللغات، والثقافات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى